نجيبٌ يا وطني

2009/10/19 بواسطة قنديش

-
كأنَّ في الُبذور ما أشتهيه .
قصباً دقُّوا عليه عُيونهم
يسقُط المغني وأطفالُ البلاد .

صدرهُ عطر النوم
- أرجوحة سُكَّر
ملاذُ الزيتِ والكرز
- فوق النوم
يقولُ : وطني لي زهرُك
إن أقسمتَ أنك أصغر !

كانوا رصيف الغيم
سدَّ ميلادَ الموجِ ..
وقال: يا وطناً في عبِّكَ أُقتلْ

ككل الخمائلِ لحمي
وفي فمي رائحةُ النار
وفي جسدي
مثلما عيدُك
ورنَّةُ عودِك
المغلولةِ

وصوتُ ذبحِك
وغرَّةُ الأرضِ التي تثمل
سنجري معاً ونأكل طيراً
ونركبُ عتراً
ونزرعُ في العمَّالِ مِنجلْ
.

مُعادلة الحياة

2009/10/07 بواسطة قنديش


يعرفُ الورد لا بل ورد الخشب .
*

الزجاجُ مهشمٌ وبعضٌ من الذبابِ المقتولِ على الأرضْ ، ربما قد داستها قدمٌ مفتولةٌ ، أو أعلّتها المعمعة فألقت نفسها أرضاً ، ثمة آثارٌ في نهايةِ الممر إلى الغرفة القديمة ، ربما خيطٌ من أقدامِ عنكبوتٍ شاهد الحادِّثة ، لم يكن الفجر قد أعادَّ تقبيل الحياة ، لم يكن هناك ضوءٌ منثال من فم النافذة ، بعضٌ من الخربشات تزين جداراً أسود ، وبعضٌ من بقايا السجائر محفوظةٌ في دولاب مفتوح تحت غطاءٍ ممزق ، لم يكترث بالورق المبلل على كاهله ، فلا زال هنالك صوتٌ مخبوءٌ تسمعه الأبواب ، دُّق الجرسُ على غفلةٍ لم تدركها عصا الحارسُ القزم، أصبح البيتُ ملهىً ، أو ربما كان حانةً للصعاليكِ في قريةٍ منبوذة، لا شيء يشبه نفسه هنا، دفع الباب بقوةٍ كأنه يقتحمُ مقراً لعصابةٍ تبيعُ الطنافس المقدّسة، فوهةُ المسدس تزينُ نصف وجهة الأيسر، توقف عن النظر بغتةً ، وبكلِ خفةٍ وثب إلى الممر ، لا زال يشتم رائحةً مشبوهةً ، حتى أن حلقاتِ أنفهِ اتسعت كثيراً! ، دفع بقدمه دلواً كبيراً فارغاً على طولِ الممر ، تعثَّر بقطعٍ من الحجارةِ المنتشرةِ فيه ، وبكل سرعته سار خلفه ثم توقف عند زاويةٍ مظلمة ، كان هناك رجلٍ متصلبٍ من الخوف وعلى كتفه بندقية ، والكثير من العفنِ محشوٌ فيه، يشبه آله الرمال وقواميس الصحراء ، كظلٍ خلفه يسيره ويواسيه ، اعتقل بندقيته ولا زال لا يجيد الحراك ، وثب فجأةً .. حط أمامه ونظر في عينيه بغتةً ، بدا له وجههُ غير عادياً ، كان هناك شيءٌ يحيط برأسه ، هدوءٌ بغيضٌ يلم به ، لم تكن العادة ، لقد طرق بسبابته على رأس الرجل ، ” دمية عسكرية ” ، شعر بأن هناك مكيدة ، شيء ما أخبره بأن يلتفت خلفه ، مع التفاته سمع صوت شيء سقط من مكانه ، وبحركة غريزية انتشل مسدسه من خصره ووجهة صوب الصوت ، أحنقه السبب الذي انتشل مسدسه من أجله ، احمرّ وجهة ، وصار يضحكُ بصوتٍ منخفض ، لقد أسقط عصفورٌ كأس ماءٍ من النافذة على أرضيةِ المنزل ، التهمه الصمت لا زال حُلم العصفور والنافذة مستمرٌ بكل حذافيره ، ترامى إلى أذنيه صوتٌ خافت ، تراجع بسرعة ، اختفى خلف صناديق خشبية في غرفةٍ صغيرة بمقربة من مدخل البيت ، ثم اقترب من الباب ، ليستمع لما يدور في الخارج ، قال أحدهم: ثمة أمرٌ غريب ، هل كان أحدكم هنا ؟ ، لم يتحدث أحد ربما كان يحدث نفسه ، ردَّ بصوتٍ متعجرف: هل سألتني ؟ ، مضت بضع ثوان ، ثم وثبوا من النافذة خارجاً إلى حديقةٍ صغيرة أمام المنزل ، ومن ثم قفز من على السور حتى الطريق العام ، ولم يتبقى شيء! .. كان مقابلاً للرجل ، ثم راح يدور حوله في اتزان ، عقد كفيه خلف ظهره ، كأنه محققٌ في الموساد ، مضت ساعةً حتى بدأ الليل يهربُ والنهارُ بدا ممشوقاً خجُولاً ، لا زال يتحرك بلا توقف ، لقد برز من ثقبٍ صغير في الجدار نورٌ خافتٌ كشَّر عن ملامحِ الظلمة ، لم تمضِ ستون ثانية حتى تسلل إلى خارج المنزل ، ثم اختفى !
الحياةُ تتأججُ من جديد ، كما الليلة السابقة .. ما من أحدٍ إلّـا وانتابه الشعور ذاته الذي لم يرق لقاسم ، ترك جسده الضخم يستريحُ على الأريكة في بيتِ فاطمة ، وراح يغطُ في نومٍ عميق ، بعدما أنهى مهمته في بيت نعمان خالد، عادت سلمى من الخارج ، وجدته نائماً ، عمّ السرورُ وجهها النحيل ، يبدو بأنها لم تشعر به منذ فترة! وضعت ما أحضرته من السوق على طاولةٍ خشبيةٍ ركيكة في مطبخها الصغير ، ثم ذهبت لتغسل يديها بعد عناءِ خمسِ أصابع ، عادت مسرعة على صوتِ نزار الذي ما لبثت أن نظرت إلى السلالم حتى رأت وجهة البريء تتضح معالمه ، أكمل طريقه بهدوء .. ثم جلس على كرسي قريب من باب البيت ، اقتربت منه على مهل مسحت على شعره الأشقر ، اكتفت أن تطمئنه وتشعره بالأمان وهي بقربه ، لم تكن يداها ، الخشنتان ، المُتعبتان ، وبسمتها الطيبة ، – ربما لم تكن قد اصطنعتها أيضاً – ، لتخيط لنزار ما تبقى من كنزته التي بعثرت خيوطها الريح ، سألها فجأةً : هل ذهبت أمي إلى هناك ؟ كدخانِ الموقدِ ذاك ، يرتفعُ ويرتفع ، ربما يبحثُ عن جنَّةٍ أيضاً ! ، لا تزال تتأمل شعره الناعم وتتلمسه بهدوء ، تتعظُ من خدوش يديها ، السمرة التي تكحل وجنتيها ، تعيد رسمه في مخيلتها ، وحل أيامها لا يزال مغرماً في ما تبقى من قشعريرة الحقول والنضال ، توارى فجوراً يشبه تقاسيم الخيال في مناسكِ ترميم القبور المقدسة ، في حطبِ النيران الملعونة من صعاليكِ الغابة الملتهبة مما تبقى من ذنوبٍ منبوذة ، تَرفَقَ الغيمُ النازكُ بشهيتها المبللة بالهواء ، مما تركه الفحم ، من شهوةِ النار على جدران المنازل المفقودة من جدائل الحياة المخفوقةِ مع العظام ، مع ما تبقى من هياكل بشرية مبعثرة . أعادت رأسها إلى محلّة ، كأنها تُحدِّث نفسها :لا زلنا نتقن الحياة ، لا زلنا نغلف الرصاص في الأواني مع القصدير ، نصنعه كما نصنع الكعك والحلوى في العيد ، نعيش مع الأولاد والأحفاد ، وأزواجنا عند الله! .. تنهدت على غير العادة ، ثم اعتدلت ممسكةً بيد نزار ، من دون أن يُظهر لها أنه بحاجةٍ إلى تناول الطعام ، ذهبا إلى المطبخ ، أكلا مما شاء الله ، استيقظ قاسم .. لم يعتد على النوم الغليظ ، بدا عليه النعاس ، والحمرة الطاغية على وجنتيه ، شعره لا يزال مبعثراً ، أول ما تفوه به حينما برزت سلمى ومعها نزار من المطبخ وهو يحك رأسه : المعذرة .. لقد تأخرت البارحة ولم أصدق أني عدت إلى المنزل ، فبعثرت أشيائي في الصالة ، ولم أشعر بنفسي إلا في المنام ، اعذريني لقد سببت لكِ المتاعب . انهال نزار ضاحكاً وبدا على سلمى شيءٌ من الضحك ، موضعه وشكله لم يسمحا لهما بأن يتماسكا ، قالت سلمى : أعذرنا أنت فلم نستطع أن نتماسك . أمسكت بنزار من كتفيه ودفعته بهدوءٍ نحو غرفته ، ألقت نظرة عليه وهو متكئٌ على الأريكة ، تطلعت إليه في حنان ، ثم صعدت ما تبقى من السلالم .
ثالثُ قطرةٍ تهبطُ على قميصه ، تكاثرت وازدادت شهوتها :” العرق يصيبني بالجنون ” قال قاسم . لقد أعاد ترتيب المكان كأنه مشيد حديثاً ،همّ بارتداء بزته وبنطاله ، ثم ألقى نظرةً أخيرةً على المكان ، وأغلق الباب خلفه ، وانصرف .
” أولئك الحمقى ، يبدو أنهم كانوا في أحدِّ الخمّارات ، سيدهم أيضاً لم يكن هناك ” صمت قليلاً ثم أكمل ” حتى أنهم لمّا مرُّوا كانوا سُكارى ، لم أجد ورقةً واحدة تثبت فعلته ، لكن عليّ إيجاد الورقة ، أو روحه !” ، قال قاسم ، ولم يتحدث بعدها أبداً ، كان شارداً في التفكير ، فاطمة زوجته ، ونزار نجله ، لقد عُذِّبت حتى ماتت ، في أحدِ السجونِ ، حتى أن خبر بقاءها أو مماتها لم يكن محسوماً ، لقد فعل كل ما بوسعه حتى يكشف عن خيارٍ منهما ، ولقد تبين له موتها في وقتٍ قريب ، لم يكن في البيت حينما استدعيت إلى مركز الشرطة في المدينة ، ذهب خلفها حين عِلمهِ ، ليسأل عن السبب ، وجاء الردّ كالعادة: انصرف من هنا أيها الملعون ، واخلع لحيتك الغبية أولاً ، وبدِّل جلبابك المقزز هذا ، اللهم إني بلغت اللهم فاشهد! ” ، حاول أن يبدى غضبه من هذه الطريقة البشعة ، لكن محاولاته باءت بالفشل ، ردّ في غضب: هل اللِّحية والجلباب فقط من يُزعجانِك؟، ماذا عن الخمرِ والهوى والفجور الذي ينالكم ؟، ثم أكمل والعَمَالة ؟ ، لقد ضرب الجندي بعصاه على كتف قاسم ، ضربه بقسوة ، جاء آخر يتباهى بسوطه ، جلدَهُ بِضعَاً وعشرين جلدة ، حتى نزفت قدماه من هول ما فعلوا به ، لقد سقط أرضاً ، حاول النهوض .. ونجح ، حملق قاسم فيهما وقال: حكم الله فاصلنا ! ، .
تربّع أحدهم على كرسيه، بينما آخر بدأ ينظف سلاحه، وآخر يجلس على كرسيه بالقربِ من الباب الرئيسي لبيت خالد نُعمان، الساعات تذوبُ في مقتٍ وهم يحاولون الفرار من التعليماتِ التي ترغمهم على البقاء، تفقدّ قاسم المكان، ثم تسلّق الجدار واختفى خلف شجرةِ زينة، تحرك بهدوء في الظلمة، وصل جدار البيت وظلّ واقفاً للحظات دون حِراك، وثب خلف أحدِ المقاعد الفاخرة وسطَ حديقة المنزل، لم ينبس ببنت شفته، شعر بشيء يخترق عنقه، وصوت تهشم، اصفرّ وجهة، خيطُ دمٍ يتسرب من فمه، هوى أرضاً .. بذكر الله !

مقاتل ..

2009/09/12 بواسطة قنديش

حتى تنام الجنة في إبط النبيذ وتعلوها الطنافِس والثراء ، يخيل للغبار أنه نائم على صدرها ، فتنجوا الغريبة وتنحني قربة الماء ، إذ برمح في الخطية يصيب الجلاد معه النُعاس ، يَكفل الدنيا بلا ثمن ، وتبرز من كفيه غبطة الدهاء

خُرقة السيّد/جن

2009/09/12 بواسطة قنديش

تعودُ القصة الضائعة ، يختفي ظل الكلام في الوهلة ، ويغرِّد الوطنُ الجريح ، يرسم قوته على حائطِ الظلام ، ينام بعينين وضاءتين في سهوِ الليل ، ما عاد اللون يغادر تقاسيم الصُبح .. يتكاثر ويغنّي الأنين ، يرتشفُ كوباً ناقصاً من حليبِ الوطنِ الضائِع / اللاذع .
أتمرغ في عرقِ الأرضِ .. في نحيب الزعفران والزعتر ، يقف مصلوباً يصلي ، يشاهد عِراك السماء ، يعلِّم نفسه أن يجرب كلّ الفصول ، يختلف عن الراقصاتِ في الملاهي النائمة قرب طنافسِ التُعساء ، يحمل في كبده صوت الفجر ، ورشفة مغفرة ، ومذاق ريحٍ آسرة ، ورائحة زيتونٍ ، وهوية الرمل في منافي الكلام ، وصوت القصبِ يطرق شهوة النائمين ، وهواجس الزعفران الخائفة ، وانمحاء الشوارع ، واختفاء الدموع ، ونُبوت الصلاة على أبواب المدائن المحطمة ، لا زال الوطن يصلي ، يقدس آفة النُعاس وشمُ الصلابةِ ، حتى يتذكّر فقط صورة أرضٍ خاشعة .
يجرد حكايا الصغار من نواميس الخوفِ والجوع ، يخلّد في الذاكرة صوت الشوارع .. تنفس الظلام ، رقم القهر المشيد على الجثث في الطرقات التي تحسب انحناءات الثورة ، وتقشف الخريف ، وصُراخ الفقراء ، ما زالت قسمات الفجر تتحدث بكل صخب الدمار ، والعُزلة ، والدخان المتصاعد كأنهُرٍ تخيط شفتيها الداميتين ، لفرط الألم ..
يغازل المساء .. حمرة الشمس في قفصِ المغيب ، يتربّع عند الليل .. يسمع حديث الشجر ، يتهادى قفصُ الحمامِ من أسرابِ الدُخانِ إلى كومةِ حصى ، تذروه نارُ الكادحين في أوصالِ المحاجر ، ودورِ الشمس المصلوبةِ على عتباتِ الفجر ، واسم الحصادِ في حلقٍ يابس ، في كفيّ فلاحٍ تقشف عمره بين ماءٍ ونبعٍ وخُضرة ، تعاتبه شهقات الحياة .. يشمُّ كسراتِ الخبز الدافئة ، يشاطر نفسه العناء في صحوتها ونومها وعطشها وسقمها ومرارتها وانتصارها ، يحفر رغيف الخبز والقمحِ والحقلِ المشبوهِ والقنبلة ، يحنِّط شهوته فيها . يبدر روحه ببطء ،
+ يتحرى اقتراب القرميد
من قلائد صورته ، *
ويصلِّي .

وحلُ أمي

2009/09/08 بواسطة قنديش

وأبتُر رائحة القمحِ في الريحِ ، كأن الشمس لا تُنجبُ رجالاً من الفولاذْ !
وأعودُ مبنياً على الطُوبِ الأحمرِ في أجراسِ الخوفْ ، أجراسُ بابل والقدس ،
تنفَّسي بقربِ الحصادِ ، الوطنُ المصلوبُ يُباكِي الشَّهوةْ ، عُنفُ الرحمةِ .. يا صوتْ الصَّكِ في جيبِ عُثمانْ ، يا قوتْ ألونِ الصُبحِ .. يا رُمانةَ وجهيْ !
في بيتِ الصُوفِ كانتْ أُحجيةَ الصَّلاةِ، كانتْ تتمرغُ في عرقِ المغفرةْ، سأجوبُ لأجلِ رغيفَ خُبزٍ يابسٍ في الغِناءْ، موائدَ جهنَّمْ .. موائدَ الوطنِ المالحِ في بحرِ الغُرباءْ ..
يا صلاةَ الرِجالْ ، خَوفي ما عاد جِسراً خشبياً ..
ما عاد حليباً يشربُه طِفلي ،
ما عاد كُرسياً في جسدِ الحديدْ .. في سجنْ موتي ،
ما عاد السّاعة الممحوةَ من شهوةَ الياسمينْ !
أتركني أشبعُ من وحلِ أُمي ..
أتركني بربكْ ..
أتركني يا إلاه !

صِبـا . قسماتُ فاتنة

2009/08/30 بواسطة قنديش

فِي داخلي ..
صلت حبيبتي في الخبز والعناء
نصف قبلة محلاه
من يشبه نهدَ الصغيرة في مكملها
هُزي إلي منسأة عجزِك
تكاثري في .. خبئي الحبوب والرمال
عودي إلى وئدِ الخوف ،
إلى ملاجئ الصقيع المعلقة ..
مرغي صوت النوم في شجر قرقد ، يصلي ؛
محض زينة |
يفرخ الفجر فوق تسمر وجنتيك الناعستين
بيننا قوارير وصورة
مواعيدٌ ..
شوارعٌ
أهازيجٌ كثيرة ،
مِلعقة جنون تلعثمت ،
كنحيب الليلك عند شوارب القمر
يا حبيبتي صلي كثيراً
هزي جذع الخشوعِ في الليل
وغنِّي لي أكثر .. حتى أعودَ على التابوت
حتى أعود