يستيقظُ في الفجر ، انه يألف الظلمة المشعة بالبسمات ، ودبيبُ أهلِ التقوى والفجور ، وأنفاسُ الكون النقية المسربلة بالأحلام ، ينفِضُ عن قلبهِ عبئٌ يكمدُ في فؤاده ، يلتهمُ رغيفاً من الخبزِ مع الزيتونِ والبصل الأخضر ، ويملئ ذاته بثقةٍ غير محدودة ، من قدرته لامتلاك المجهول ، ثم يسوقُ حمارهُ أمامهُ نحو السوقِ القديم في البلدة ، يفيضُ بحيويةٍ لا حدود لأبعادها ، دائماً يشعل جذوةً في أعماقه ، لا يخمدها بياضُ الثلج ، ولا نسمةٌ صباحيةٌ عابرة ، رجلٌ وحيدٌ يعيشُ في أحدِ الخرابِ البعيدةِ ، وينامُ في أحدِ الحظائر ، حتى إذا ارتحلت الشمس ، واختفت في حضنِ الجبل ، يتسللُ من علي أسطحِ الدكاكين والبيوتِ ، يتركُ حماره عند أحدِ الزبائن ، ويعُدُّ من النقودِ ما رزقه الله ، يضع منها شيئاً في صندوقٍ عند صندوقِ العلف ، والقليل منها ، يشترى لنفسه طعاماً يسدُ جوعه ، طريقُ الذهاب والإياب كان مغلقاً ، فلم يكن الجندُ يسمحون لأحدٍ بالدخول أو الخروج منه ، يتقنون كل السبل في تعذيب الناس ، وإخضاعهم ، الجميع هنا يصافحون الموت كل لحظة حتى قيل بأن الجند قد صنعوا باباً حديدياً كبيراً ، يقفُ عنده عديدٌ من الحراس ، حتى لا يدخل أحد المخربين إلى المدينة ، وتحدث أعمال شغب ، هذا في نظرهم ، كانت ضلفةُ الشباكِ ترتعشُ بهبةٍ من أنفاس الشتاء الباردة ، وكان قد اتكأ على الكنبة الوحيدة في الغرفة ، يحتسى قهوته المسائية ، في ظلمةِ الليل ، لكن القمر كان يسبلُ جفنية علي خاصرة الشباكِ ، فيضئ شيٌ في الغرفة ، دفعه القلقُ في جوفِ الليل ، إلي الخروجِ إلي فناءِ الحظيرة ، ثم تذكر أن عليه القيام بتقديم العلف للحمير ، وكنسِ الفناء ، كان الشتاء يطوى آخر طيهٍ في ردائه ، والهواءُ منعشٌ ، والنجومُ تتوارى خلف السحاب ، تهادت إلى قلبه أناشيدٌ في ظلمةٍ داجية ، كان يترام إلى أذنيه بعضٌ من تلك الأناشيد ، لحظة وشمّ رائحةً غريبة لا تخلو من نفحة ترابية ، لأول مرةٍ جرب أن يخوف نفسه بنفسه ، نهض مرتعداً ومضى نحو باب الحظيرة وهو يقول لنفسه ، إنه الموت .. إنه الموت ، أخفى الظلام الرؤية فلم يجحد سبيلاً إلا أن يعود ، ويترك أمره لله ، نام ساعتين واستيقظ علي صوتِ قرعٍ علي الباب ، نهض مفزوعاً ، وكان شعرهُ نافراً وعينيه متقديتين ، فتح الباب ووضع يده علي عينيه بسرعة ، لم يستطع مقاومة الضوء، سأله الطارق أين الحاج قاسم ؟
قال درويش:
- لم يأتي بعد ، ليحفظه الله .
- نعم ، ليحفظنا جميعاً .
- بلِّغني إن أردت منه شيئاً ، سأخبره فور مجيئه .
- قل ليّ أيها اللقيط الجاحد .
- فليسامحك الله .
فصاح بقسوة :
- بشرفي ورحمه أبي بأنك لقيط ، لحساب من تعمل يا هذا ؟
- لا أعمل لحساب أحد .
- لن أسمح بتفشي قذاراتك أكثر .
- إنك رجلٌ طيبٌ يا سيدي ، شكراً لحسن تعاملك ، لكني والله لن أسامحك ما حييت ..
تنهد الرجل ، وضرب بكفة عرض الحائط ، وقال بنبرةٍ لم تخلو من السخرية :
- علمت بحكمتك فهاجرت إلى الخلاء ..
صمم درويش علي مواجهة الموقف بالقوة الضرورية ، فقال :
- لعلي لا أستطيع أن أتجادل معك في الحديث أكثر ، لكني لن أخضع لأي استفزاز .
سأله الرجل بحنق :
- لِمَ لا تذهب إلي أي بلدةٍ أخرى ، ما رأيك أن تأتي إلي قريتي ، سأجعلك سيداً علي أحد متاجري ؟
- هنا وطني يا صاحب العمامة .
رأي درويش معلمه الحاج قاسم متجهاً إلي المكان ، مسرعاً في خطاه ، ألفى السلام ثم قال :
- أهلا بك أيها الدرويش سمعان ، ماذا تريد ؟ العمل كثيراً هذه الأيام كما تعلم .
- لا شئ .. لا شئ ، كنت أودُ أن أشتري حمارين للبقالة ، ليساعدان الأولاد في جلب البضائع .
- آه .. متى تصيرُ رجلاً يا هذا ؟
- أنت الأكبر ، أليس كذلك ؟
لاحت من الحاج قاسم نظرة في وجهة ، فرأى في عينيه مكراً ، وضغينة .. احمرّ وجه الشاويش سمعان ، ثم تنحنح في خجلٍ وهمّ بالرحيل ، وقال :
- سأذهب الآن ، تحتاجني في شئ أيها المعلم ؟
- لا .. خذ لسانك ، وضعه في فمك ، وأرجوا أن لا أراك هنا مطلقاً ،
ومضت الأيامُ تحمل بصيصاً من أمل ، تسير بطيئةً ثقيلةً مفعمةً بالكآبة ، يئس قلب درويش من كبح المتجبرين ، وسياطهم ، بعدما تذكر الله معلمه الحاج قاسم نصفان ، فبعد رحيله أُطلق الحقد الأعمى على اليأس الزاحف ، وتأكل الزوابع حبات الزنابق ، مثل السحاب في اليوم المطير ، وفي جلسة المساء ، ارتفعت موجة الإغراء كالجبل ، فاستدعي إدريس رضوان إلى مجلسه بالقهوة ، وقال له الشاويش :
- عندي سرٌ أريد أن أفشى بك إياه .
تطلع إليه إدريس فتنحنح مرجان ، وقال :
- تنوي التخلص من درويش ؟
- بل سيذهب إلى أبعد مكان ..
فضحك مرجان وقال :
- الكره ذو رائحةٍ نفاذة !
فقال نائل عابساً :
أخطئتم جميعاً ، الحق أنكم تضيقون بالرجل ضيقاً مفرطاً .
فأبتسم عتريس وقال :
- أن تراني أدفعه ، أو أتركك تدفعه ،
- الرجالُ لا يتباهون بالمكر ، فليهديكم الله .
- من واجبنا أن نقطع الألسنة .
وهتف مرجان :
أود أن أقطعها بلا رحمة .
اعترض نائل غاضباً :
- يال الكوارث التي لا تريد أن تقف عند حدّ !
فلاذوا بالصمت جميعاً ، وارتفع صوت إدريس فجأة :
- أحلام المتخمين كوابيس ،
وبعد المناداة مباشرة ، رأى الجميع درويش يمر من أمام المجلس ، اكتفى برد السلام ، وذهب في حال سبيله ،أدرك أن الذهول الذي رآه في عيني الشاويش هو حملقات وعذابات الحيرة ، فغادر المكان متجهاً إلى غرفةٍ ركيكةٍ على أطراف القرية ، كان قد أعطاها له ، الابن لمعلمه الحاج قاسم ، بعدما طرده من عملة ، وتحت ضوءِ القمر كان يذوب في السماعِ لنشيدٍ كان يرددهُ في صغره ، وبدأ تتسلق أمواج الظلام :
العينُ لله فلا حارس سواه
أظمئيني يا قلوبُ، واسقيني من هواه
وقبل منتصف الليل ، غادر مجلسه .. مر بالقرب من سور النعاس عند باب الدفة ، ضرب الأرض بعصاه العجزاء ، واندفع في الظلال ، فلما رآه الرجل مضى إليه وهو يقول :
- الشهامة قناع ، والفأس أبرع من الشيطان .
انتفض غاضباً ، وهتف :
- أعوذُ بالله .. من خبثِ بني آدم !
قال بنبره الوعظ الساخر ، وهو يمضى :
- حتى يلتف الحبلُ بعنق القاتل ، يظل مصراً علي براءته ،
- واحسرتاه ، علي عهدِ رجالٍ ، دُمى !
واتخذ سبيله بصمت ، إنه سوءُ الظن الذي يخلق الكراهية علي أساسٍ من الأوهام ، وهو يتلظى بالحقد الدفين ، طعنهٌ تلو أخرى ، يتمطى في قلبٍ أسود ، ذا هسيسٍ دامٍ مشبعٌ بالاحتمالات ، بقوةِ السطوة ، وامتلاك سلالمِ المصعد ِ كاملةً ، إرثٌ للإنسانِ في أطوار الصعلكةِ والانحدار .
الأوسمة: فقر, ذنب, قربة, شوارع, ينبوع ماءْ